العودة   ملتقى التوباد الأدبي > عكاظ الشعر والأدب > الدراسات الأدبية والنقدية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 10-02-05, 09:24 PM   #1
محمد خريص المرحبي
شــــــاعر
 
تاريخ التسجيل: Nov 2008
الدولة: بين السطور
المشاركات: 766
قراءات نصوص توبادية ... موضوع متجدد

بسم الله الرحمن الرحيم
كانت طرحت الأخت هناء زايد موضوع قراءات لنصوص من التوباد وحقيقة وجدتني أمام نص رائع وجميل هو جنة التنين فكانت هذه القراءة السريعة ودوموا بكل خير


العبور إلى جنّة التنين
قراءة انطباعية في نص (جنة التنين للشاعر / محمد العامر الفتحي )
التضاد كان مفتاح النص , وهو عنصر فاعل في التكوين الشعري وإنتاج الدلالة ويجعل النص مكتنزا بالشعرية , وبما أن التضاد ربما يشي بالغموض فإنه يفتح المجال لتعدد القراءات النقدية ..
من هنا نبدأ فالتناقض الكلي في عنوان القصيدة بين الجنة بكل نضارتها وخضرتها يقابل في مضمونه التنين ذلك الكائن الأسطوري المسكون بألسنة اللهب.. ونجد هنا أن الشعرية تشكلت على صعيد المفارقة والرؤية الشعرية المصادمة .
وتتجلى قيمة المفارقة في تأجيل الهدف مما يعطي المعنى صبغة البقاء , وهذا بالطبع يفضي إلى قراءات غير متوقفة للنص الشعري .
نجد هذه التقنية تقنية معتمدة في تضاعيف النص فمن بداية النص عندما يربط الشاعر أيضا بين جنات عدن وبين السجن (جنات عدنٍ تحتَ جفن حبيبتي
سجنٌ
تعلَّقَ في عيون سجين)
فمن فسحة الجنان ورحابتها نجد الشاعر يضعها سجن في تلميح رائع عن صعوبة هذا المطلب أو كأنه يقول أنه تعلق بها حتى كادت أن تكون سجنا فعليا له وهذا يحيل إلى شيء من الأسى والحزن النفسي الشفيف .
وهذه تحسب للشاعر فمسألة المصادمة تعمل توترا سطحيا للغة الذي يشي بثمة بركان يتهيأ لانفجار الذي لن يهدأ القارئ حتى يعرف مكامنه .
***

تغدو صباً
وتروح ريحاً صرصراً
وتلفّ جيش القبح باليقطين
إذا أخذنا في الحسبان مفردة الصبا بدلالتها المعجمية للنسيم العليل وفي المقابل نجد الريح الصرصر الباردة القاتلة نجد ثمة تقابل أيضا وهذا أيضا مرتبط بالرواح والغدو كل هذا تشكل في معزوفة موسيقية جميلة متجانسة التركيب ورفيعة المقام .
ونجده هنا في قوله وتلف دليل على الاستيعاب والاحتواء وكأنها تأكيد على رحابة الجنان ووسعها ومحاولة إكسابها أكبر مساحة من الجمال وأجد المفارقة الجميلة في مادة اللف التي اعتمدت اليقطين الذي من فوائده دفع الهوام ومقاومة الطفيليات
وثمة مقابلة لطيفة بين اليقطين الذي يعتبر من مفردات الجمال وجيش القبح في مفارقة جذابة ..

وأنا أخبئُ شطر وهمي في دمي
وأدسُّ في كهف الجنون
جنوني
هنا محاولة للهروب من الوهم ولكن هروب للداخل للذات الملتفة على بعضها , وهذه المفارقة اعتمدت على تغييب الوعي ومحاولة صهر العقبات الحائلة دون ذلك ..
حتى دس الجنون في كهف الجنون مفارقة وهرب ولكن هرب للذات فحتى كلمة الجنون وكهف الجنون هي هي .. وهذه من سمات المفارقات وهي إشارة تحوي أن اللغة الشعرية لغة غير منطقية بمعنى أن اللغة تتفاعل داخليا ولا علاقة لها بمنطقية اللغة العلمية .
**
حواءُ
قاتلتي الجميلة .. بللي
بدموعك البلهاءِ عرشَ ظنوني
يبدأ الانتقال الآن من مرحلة الوصف التي كانت تمثل الفاصلة الأولى من النص .. متخذا من النداء والتمني لعبة يسير بها في هذا المقطع
ولكن ما زالت المقابلات تؤتي أُكُلها فما زالت المقابلة الضمنية بين الجميلة ومدلول القتل القبيح يوطدان أساسات هذا البناء التضادي المتسق

وتملقيني

واركضي في بيدري
في لجتيك حواضري وسفيني
يتصدر الجمل فعل الأمر المتلمس الذي يشي بحرارة العاطفة الصادقة ,
ولا زال شاعرنا الرائع محافظا على النكهة السرية لهذا المزيج الفريد من التضاد حتى على مستوى المجاز فنجده في بحر حبيبته في حله وترحله ..
من هنا تبرز قيمة التضاد الفعلية أنه يسعى ويقود إلى حالة من التوازن
واستعطفي ما شئتِ .. قلبَ متيم
ما جسَّ منذ هواك .. حبل يقين
هي الوعود التي تستل فرحتنا قائلة :عراء الوعد لا تهطل فيه الحقائق ..
منذ استقلَّ إليك خيلَ غرامه
لم ينجُ من شرَكٍ
سوى لكمين
مفارقة أخرى قمة الحزن وقمة الأسى كما قيل فر من الموت وفي الموت وقع ..
وتبرز فائدة أخرى للمفارقة أنها تشحن العبارة بقوة إبلاغ فنية تنقل التلقي من شاطئ الاستقبال المريح إلى شاطئ الاستقبال المفاجئ
لربط المتلقي بالنص ربطا جماليا لا يستطيع الانفكاك منه
تَلْقَيْنَهُ
شفةٌ تَقَاطَرُ رقّةً
ويداً مقوّسة على سكّين
تصاعد في المشهد التراجيدي المثير

**
ذوّبت في دمه أناشيد الهوى
وملأت عين الشكِّ بالزيتون
تعتيق الحب بالأناشيد المذابة في الدم والوصول إلى نهاية الطريق في الغرام وإراحة البال بشجرة مباركة تفيض يقينا لا ينتهي
تضاد آخر أخذ من الزيتون رداءا لليقين والراحة المطلقة للهروب من جحيم الشك المتوقد ..



ولبست ثوب الخالصين
بريئةً
وسجدت
في محرابه المفتون
وملأت شاطئه الحزين نوارساً
وشققت عن سرّ له مكنون
بعد أن وصل العشق إلى غايته وأصبحت الروحان روحا واحدة ولا سر بينهما ..

**
حتى إذا استوثقت من جريانه
في غير إنكارٍٍ ولا تخوين
وملأت كأسكِ من غوافل نبضه
وطمست عين العقل
بالأفيون
وتأكدت من تورطه وتعلقه وقرأت كتب الغرام بعينيه وأن لاثمة ثغرة للخيانة والجحود ,وتملكت حتى عقله وظفرت على كنزه وخدرت حتى فكره بكلامها الجميل وروحها العذبة ..
- هنا أيضا ملمح آخر لهذا التضاد بين العقل وغيابه بالأفيون -
عادت خطاك تسوق أوّل دربها
وتدوس فلَّ وفائها في الطين
هذه كانت نهاية المعادلة فبعد الإخلاص ( الوهم ) وبعد كل التضحيات ومحاولة ستر العيوب بكل جميل أتت الكارثة ونقضت غزلها وداست فل وفائها في الطين/ الذي يناقض طبيعة الفل ذلك النبات الجنوبي الفاتن لونا ورائحة .. وهنا تلميحة لطيفة لتعلق شاعرنا بذلك الكون الجنوبي الفاتن المعتق بألوان ورائحة الورود الزكية
**
فلتعلمي
أني برغم تولعي
وبرغم شدّة فتنتي
وجنوني
وبرغم أحزان المساءات التي
لا تلتقيك .. وغصتي .. وحنيني
والنار تأكل من بقايا أضلعي
والوجد
لا يفنى .. ولا يفنيني
حالة متعسرة من الحيرة ؟؟
طريق لا يعرف العاشق له نهاية وهذا ربما كان سببا قويا للعشق لأنه لو عرفت النهاية ربما يخف الارتباط العاطفي
وبرغم خمر تعلقي
ومقنَّعٍ
مازلت أرهن في يديه سنيني
سأعود – أقسم – للميادين التي
شهدت ولادة ذلك التنين
سأعود
لا لأقيه حَرَّ هواجري
وأعود
لا لأريه بردَ يقيني
حتى هنا لم يكن محدد الرؤيا/ الرؤية ربما كان حائرا ربما كان منتقما ربما .. ربما
ونجد هنا أن البيت الأخير شطراه متضادان بمعنى أن كل كلمة تقابلها كلمة ربما هذا يؤدي لتساوي الكفتين كفة الجنة وكفة التنين
كفة الحب وكفة النسيان
أو ربما يريد هو العودة لنقطة الصفر والسلب يضرب بالإيجاب عرض الحائط وتنتهي المشكلة ولكن هيهات ...
نجد هنا على مستوى العبارة ثمة مقابلة وتضاد وتناقض وهذه المقابلة حتى على صعيد المقطع من قوله (فلتعلمي إلى آخر القصيدة ...)
*****
نجد هنا على خارطة النص توزيعا فريدا للتضاد الذي أكسب النص بعيدا عن التوازن جوا موسيقيا متناغما وعذبا وذلك على صعيد الجمل اللفظية وأيضا المعنى
****
على صعيد البناء الفني نجد القصيدة أخذت شكل قصيدة التفعيلة واعتمدت التدوير والتضمين بين أبياتها الشطرية وعلى الرغم من اعتبار التدوير عيبا في القصيدة الكلاسيكية إلا أنه كما أرى في هذا الموضوع الشعري أراه ضروريا لاكتمال المعنى ورؤية الجمال في أبهى صوره ..

بقلم محمد خريص المرحبي
19/2/1431 هـ
__________________
لا تقتليني بحب لا ظلال له *** رمضاؤك الموت أين المرء يحتجب

mk140100@hotmail.com
محمد خريص المرحبي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-02-07, 08:47 PM   #2
محمد الشدوي
@@ شــاعر سعــــودي@@
 
الصورة الرمزية محمد الشدوي
 
تاريخ التسجيل: Oct 2003
المشاركات: 9,540
قراءة واعية جميلة
حييت يامحمد
على هذه القراءة

دم بخير
مثبت
__________________
حَقَائِبُ الرِّيحِ مَـلأى مِـن سَنَابِلِهـَا....مَنْ عَلَّمَ الرِّيحَ تَهوَى شَعرَهَا الغَجَـرِي
محمد الشدوي غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 10-02-08, 11:32 PM   #3
هناء زايد
شمعة لاتنطفئ
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
المشاركات: 599
أستاذي الرائع محمد خريص المرحبي .....

قراءة نقدية رائعة زادت القصيدة جمالاً ....وألقت عليها ظلالاً من ألق

الشاعر محمد العامر الفتحي من الشعراء الذين لهم بصمة مميزة ومن الصعب أن يمر المتلقي بقصائده فلا

تترك في نفسه ذاك الأثر الذي تحدثه دهشة القصيدة بجمالها وحضورها الطاغي

بوركت أستاذ محمد على هذه الخطوة المباركة ونتمنى أن تكون فاتحةً للكثير من القراءات النقدية

لنصوص التوباد

تقديري
__________________
عللاني فإن بيض الاماني
فنيت والظلام ليس بفاني
إن تناسيتما وداد أناس
فاجعلاني من بعض من تذكراني
هناء زايد غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 08:24 PM.


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2010, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir